العلامة المجلسي
9
بحار الأنوار
امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشئ تجعله لهم منه ، وكانت قريش قوما تجارا ، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وآله من صدق حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له : ميسرة ، فقبله منها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وخرج في مالها ذلك ، ومعه غلامها ميسرة حتى قدم الشام ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب ، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال : من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة : هذا رجل من قريش من أهل الحرم ، فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي ، ثم باع رسول الله صلى الله عليه وآله سلعته التي خرج فيها ( 1 ) ، واشترى ما أراد أن يشتري ، ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة ، وكان ميسرة فيما يزعمون قال : إذا كانت الهاجرة ( 2 ) واشتد الحر نزل ملكان يظلانه من الشمس ، وهو يسير على بعيره ، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا ، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين ، فبعثت إلى رسول الله فقالت له فيما يزعمون : يا ابن عم قد رغبت فيك لقرابتك مني ، وشرفك في قومك ، وسطتك ( 3 ) فيهم ، وأمانتك عندهم ، وحسن خلقك وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه نفسها ، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة ، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا ، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك لو يقدر عليه ، فلما قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله ما قالت ذكر ذلك لأعمامه ، فخرج معه منهم حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله . وروى بإسناده عن ابن شهاب الزهري قال : لما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وبلغ أشده وليس له كثير مال استأجرته خديجة بنت خويلد إلى سوق حباشة ، وهو سوق بتهامة ، واستأجرت معه رجلا آخر من قريش ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما رأيت من صاحبة لأجير
--> ( 1 ) في السيرة : خرج بها . ( 2 ) الهاجرة : نصف النهار في القيظ ، أو من عند زوال الشمس إلى العصر . ( 3 ) سطتك بكسر السين وفتح الطاء أي شرفك وسامى منزلتك .